الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
122
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للجعل الناشئ عن شدة الطلب والحث الذي هو أصل معنى السين والتاء ، أي استخفهم وأزعجهم . والصوت : يطلق على الكلام كثيرا ، لأن الكلام صوت من الفم . واستعير هنا لإلقاء الوسوسة في نفوس الناس . ويجوز أن يكون مستعملا هنا تمثيلا لحالة إبليس بحال قائد الجيش فيكون متصلا بقوله : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ كما سيأتي . والإجلاب : جمع الجيش وسوقه ، مشتق من الجلبة بفتحتين ، وهي الصياح ، لأن قائد الجيش إذا أراد جمع الجيش نادى فيهم للنفير أو للغارة والهجوم . والخيل : اسم جمع الفرس . والمراد به عند ذكر ما يدل على الجيش الفرسان . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم . « يا خيل اللّه اركبي » . وهو تمثيل لحال صرف قوته ومقدرته على الإضلال بحال قائد الجيش يجمع فرسانه ورجالته . . . ولما كان قائد الجيش ينادي في الجيش عند الأمر بالغارة جاز أن يكون قوله : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ من جملة هذا التمثيل . والرّجل : اسم جمع الرجال كصحب . وقد كانت جيوش العرب مؤلفة من رجالة يقاتلون بالسيوف ومن كتائب فرسان يقاتلون بنضح النبال ، فإذا التحموا اجتلدوا بالسيوف جميعا . قال أنيف بن زبان النّبهاني : وتحت نحور الخيل حرشف رجلة * تتاح لحبات القلوب نبالها ثم قال : فلما التقينا بيّن السيف بيننا * لسائلة عنا حفيّ سؤالها والمعنى : أجمع لمن اتبعك من ذرية آدم وسائل الفتنة والوسوسة لإضلالهم . فجعلت وسائل الوسوسة بتزيين المفاسد وتفظيع المصالح كاختلاف أصناف الجيش ، فهذا تمثيل حال الشيطان وحال متبعيه من ذرية آدم بحال من يغزو قوما بجيش عظيم من فرسان ورجالة . وقرأ حفص عن عاصم وَرَجِلِكَ - بكسر الجيم - ، وهو لغة في رجل مضموم الجيم ، وهو الواحد من الرجال . والمراد الجنس . والمعنى : بخيلك ورجالك ، أي الفرسان والمشاة .